ابن عجيبة
572
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ ؛ أولادهم ، الذين يبعثونهم إلى تجاراتهم ، أو صبيانهم ونسائهم الذين يستصحبونهم ؛ فإن الذرّية تقع عليهن ؛ لأنهن مزارعها . وتخصيصهم ؛ لأن استقرارهم في السفن أشق ، وتماسكهم فيها أعجب ، أو خصهم ؛ لضعفهم عن السفر ، فالنعمة فيهم أظهر . فحملناهم فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ : المملوء ، والظاهر : أن الضمير في « ذريتهم » للجنس . كأنه قال : ذريات جنسهم ونوعهم . قال ابن عباس وجماعة : يريد بالذريّات المحمولين : أصحاب نوح في السفينة ، ويريد بقوله : وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ : السفن الموجودة في جنس بني آدم إلى يوم القيامة ، وإياها عنى بقوله : وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ . . إلخ . وأما إطلاق الذرية على الآباء ، فقال ابن عطية : لا يعرف لغة ، وإنما المراد بالذرية الجنس ، أو حقيقة ما تقدم . وعليه يكون قوله : وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ يراد به الإبل ؛ فإنها سفن العرب . وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ إذا اركبوا سفن البحر ، فَلا صَرِيخَ لَهُمْ ؛ فلا مغيث ، أو : لا مستغيث لهم ، وهو أبلغ ، أي : لم تبق لهم قدرة على الاستغاثة . وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ ؛ ينجون من الموت ، إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ أي : لا ينقذون إلا لرحمة منا ، ولتمتيع بالحياة إلى انقضاء الأجل . فهما مفعولان له . وقال بعضهم : الاستثناء راجع لثلاث جمل : « نغرقهم » ، « فلا صريخ لهم » ، « ولا هم ينقذون » . الإشارة : إذا عامت أفكار العارفين ، في بحار التوحيد ، وأسرار التفريد ، تلاطمت عليها أمواج الدهش من كبرياء اللّه ، فإن سبق لها سابق عناية الاعتدال ؛ أوت إلى سفينة الشريعة ، بعد ركوبها في فلك الحقيقة ، وإليه الإشارة في قوله : حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ، وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ . وإن لم تسبق له عناية ، غرق في بحر الزندقة والإلحاد ، كما قال تعالى : وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ من شيخ كامل ، ولا هم ينقذون إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين الكمال ، فيعتدل . قال القشيري : الآية إشارة إلى حمل الخلق في سفينة السلامة ، في بحار التقدير ، عند تلاطم أمواجها ، بفنون من التغيير والتأثير ، وكم من عبد غرق في أشغاله ، في ليله ونهاره ، لا يستريح لحظة في كدّ أفعاله ، ومقاساة التعب من أعماله ، وجمع ماله ، بنسيان عاقبته ومآله . ثم قال في قوله تعالى : وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ : لولا صفة جوده وفضله ؛ لحلّ بهم من البلاء ما حلّ بأمثالهم ، لكنه لحسن إفضاله ، حفظهم في جميع أحوالهم . ه .